عبد الشافى محمد عبد اللطيف
142
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الاعتبار الإنساني والحقوق القانونية ، فهم جميعا مواطنون وإن اختلفت عقيدتهم . وهاك أبرز النقاط التي وردت في هذه المعاهدة كما رواها ابن إسحاق « بسم اللّه الرحمن الرحيم : هذا كتاب من محمد النبي صلّى اللّه عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة من دون الناس » وهذا إعلان صريح للأساس العقدي للدولة الجديدة ، وباب الولوج إليها هو الإيمان باللّه ويستوي في الانتماء إليها أهل مكة وأهل يثرب وغيرهم ممن تابع وجاهد . . . على هذا الأساس تمارس الدولة سيادتها وسلطتها العليا في الداخل والخارج . وجاء فيها ، وهو في غاية الأهمية : « وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم ، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم . . . وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف » . . . إلخ وعددت سائر المجموعات اليهودية في المدينة ثم أضافت : « وإنه لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد » . هذا ليس تقييدا لحريتهم ، وإنما هو إجراء وقائي اقتضته ظروف نشأة الدولة ؛ خوفا من عمليات التجسس ونقل المعلومات إلى الأعداء وخلافه . وعلى كل حال ؛ فليس من هدفنا في هذا الموضوع الإطالة في شرح نصوص المعاهدة ، فهذا موضوع آخر ، وإنما يعنينا منها هنا أنها كانت خطوة هامة وأساسية في إعلان ميلاد دولة الإسلام بقيادة النبي صلّى اللّه عليه وسلم باعتراف جميع أطرافها ، ومنهم اليهود ، ذلك بنص صريح هو : « وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى اللّه عزّ وجلّ ، وإلى محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإن اللّه على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره » « 1 » . والخلاصة فإن هذه الوثيقة السياسية كانت فتحا جديدا في الحياة السياسية - كما يقول الدكتور هيكل - « 2 » فقد قررت حرية العقيدة وحرية الرأي وحرية المدينة وحرية الحياة والمال . كما حددت أعداء الدولة بصراحة فمنعت إجارة قريش ومن نصرها . بهذا الشكل ، وبهذه الخطوات العملية ، وبناء المسجد ، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، ومعاهدة المدينة ؛ قامت الدولة الإسلامية في المدينة .
--> ( 1 ) راجع نص المعاهدة في سيرة ابن هشام ( 2 / 119 ، 123 ) . ( 2 ) حياة محمد ( ص 241 ) .